ابن الجوزي

288

كشف المشكل من حديث الصحيحين

عن العمران ، فيخاف على سالكها الهلاك . وما ضرب من المثل في هذا الحديث لفرح الله عز وجل بالتوبة يبين أثر القبول ، ولا يجوز أن يعتقد في الله تعالى ما يعتقد في المخلوقين من التأثر ، فإن الله عز وجل يؤثر ولا يتأثر ، وصفاته قديمة فلا تحدث له صفة . 222 / 256 - وفي الحديث الثاني والثلاثين : « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها » ( 1 ) . الحسد : هو تمني زوال النعمة عن المحسود وإن لم تصر للحاسد ، وسببه أنه قد وضع في الطباع كراهة المماثلة وحب الرفعة على الجنس ، فإذا رأى الإنسان من قد نال ما لم ينل أحب بالطبع أن يزول ذلك ليقع التساوي ، أو ليحصل له الارتفاع على ذلك الشخص . وهذا أمر مركوز في الطباع ، ولا يسلم منه أحد ، وإنما المذموم العمل بمقتضى ذلك من سب المنعم عليه ، أو السعي في إزالة نعمته . ثم ينبغي للإنسان إذا وجد الحسد من نفسه أن يكره كون ذلك فيه كما يكره ما وضع في طبعه من حب المنهيات ، وقد ذم الحسد على الإطلاق لما ينتجه ويوجبه . فأما الحديث فله ثلاثة أوجه : أحدها : أن المراد بالحسد الغبطة ، والغبطة : تمني مثل نعمة المحسود من غير حب زوالها عن المغبوط ، وهذا ممدوح . ولما كان كثير من الناس لا يفرقون بين الحسد والغبطة سمي هذا باسم هذا تجوزا .

--> ( 1 ) البخاري ( 73 ) ، ومسلم ( 816 ) .